حسن الأمين

15

مستدركات أعيان الشيعة

12 - الفائدة الثانية عشرة : في صفة البحر القلزم العربي وجزره وشعبانه ( المرجانية ) . ويعتبر كتاب الفوائد في نظرنا دستور الملاحين في جميع العصور لما فيه من حكم وصفات وأسرار للمهنة يجب أن يتصف بها قائد السفينة ، وإرشادات للملاحين تنفعهم في كل وقت ، فهي تعتبر بالنسبة لهم بمثابة قسم « أبقراط » بالنسبة للأطباء . فضلا عن أن هذا الكتاب يعتبر أيضا أوفى موسوعة ملاحية وصلتنا عن المحيط الهندي والبحار الجنوبية حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي . وفي هذا الدستور الملاحي يتطلب ابن ماجد في المعلم أو الربان الماهر مستوى أخلاقيا وإنسانيا معينا ، وقدرا معينا من المعرفة بالبحر قبل أن توكل إليه قيادة السفينة . ويصلح هذا الدستور لكل العصور كما ألمحنا ولا يقتصر في الواقع على عصره فقط . انظر إلى قوله : « اعلم أيها الطالب أن لركوب البحر أسبابا كثيرة فافهمها : فأولها : معرفة المنازل والأخنان ( أخنان البوصلة ) والدير والمسافات والباشيات ( 1 ) والقياس والإشارات وحلول الشمس والقمر والأرياح ومواسمها ومواسم البحر وآلات السفينة وما يحتاج إليه وما يضطر إليه في ركوبها . وينبغي تعرف المطالع والاستواءات وجلسة القياس وترتبه ومطالع النجوم ومغاربها وطولها وعرضها وبعدها وممرها إن كان معلما ماهرا ، وينبغي أن تعرف جميع البرور وندخاتها ( مداخلها ) وإشاراتها كالطين والحشيش ( النبات ) والحيات والحيتان والمواوز والأرياح وتغير الأمواه ( خواص المياه ) ومد البحر وجزره في كل طريقه ، ويكمل ( المعلم ) جميع الآلة ويتفقد في أحضان السفينة وآلاتها ورجالها . ولا يشحنها غير العادة ولا يطلع في مركب لا يطاع فيه ، ولا مركبا بغير اعتداد ، ولا في موسم ضيق ( أي في وقت لا تكون فيه الريح مواتية ) ، ويعني اتجاه الرياح الموسمية ( في المحيط الهندي ) ويحترز عن الأخطار في مثل عدة ورجال ( أي لا يعرض رجاله وآلات سفينته للخطر ) وغيره ، وينبغي للمعلم أن يعرف الصبر من التواني ( أي يعرف كيف ينصرف بحكمة في الوقت المناسب ) ويفرق بين العجلة والحركة عالما بالأشياء ، عزاما فتاكا ، لينا في قوله ، عادلا لا يظلم أحدا لأحد ، مقيم على الطاعة لربه متق لله تعالى ، لا يعصب ( يظلم ) التجار على حقوق إلا على شيء وقع عليه القول ( الاتفاق ) أو جرت به العادة ، كثير الاحتمال عالي الهمة ، صبارا مقبولا بين الناس ، لا يسعى فيما لا يصلح له ، أديبا لبيبا وإلا فليس هو معلم بالقاعدة « . وأي شروط أحسن من هذه يمكن أن يتطلبها أحد في الربان الذي يأمنه الناس على أرواحهم وأموالهم في البحر . وابن ماجد يولي انتباها كثيرا لطريقة القياس قبل أن يحدد الربان اتجاهه في البحر فيقول بان القياس . « يكون من مقدمة السفينة يؤيده بقياس من المؤخرة » وللقياس جلسة خاصة وينبغي أن يكون الربان يقظا في كل الأحوال . انظر إلى دقته في القياس من قوله « وأكثر الباشات فيها كسور فلذلك قالوا أن الغلط من القياس بين المعلمين ربع إصبع ليس بغلط ، ولكنه ( في نظري ) فضاح في النتخات خصوصا في ديرة الشقاقات في مثل من فرتك إلى عدن أو من الكرازي للسند » . أو قوله « شرط القياسات أن تكون ضيقة بين النجم والخشبة خيط وبين الخشبة والماكدك خيط كحد السكين يراه الذي يقيس » . ثم إن علمه كان مبنيا على التجربة وقلما كان يثق في قياسات لم يحققها هو بنفسه حتى ولو كانت قياسات أبيه ، وفي ذلك يقول : « كان جدي عليه الرحمة محقق فيه ومدقق ولم يقر لأحد فيه وزاد عليه الوالد - رحمة الله عليه - بالتجريب والتكرار وفاق علمه علم أبيه . فلما جاء زماننا هذا وكررنا قريبا من أربعين وقد حررنا وقدرنا علم الرجلين النادرين وورخناه وجميع ما جربناه أرخناه - انكشف لنا عن أشياء وحكم لا يجمعها في زماننا شخص واحد إلا أن يكون عنده شخوص متفرقة . فنخاف أن يدركنا الموت ونوادر الحكم في القلوب » . ويحث ابن ماجد الربابين دائما على زيادة العلم والتحصيل وينصحهم بالبعد عن الخيلاء ودوام المساءلة فيقول « فإنه علم نفيس لا يتم إلا بتمام العمر ومن لا يدرك كله لا يترك كله » ، أو « ينبغي ألا يتكبر فيه الإنسان وينبغي البعد عن الخيلاء عند كمال العلم » أو قوله « لعارف هذا العلم أن يسهر الليل ويجتهد فيه غاية الاجتهاد ، لأنه علم عقلي ، وكثرة السؤال فيه ترقية لباقيه » . ولابن ماجد فوق ذلك « اختراعات » كثيرة في علم الفلك والملاحة ومن ذلك قوله « ومن اختراعنا في علم البحر تركيب المغناطيس على الحقة بنفسه ولنا فيه حكمة كبيرة لم تودع في كتاب . . . أنه لم يقابل الجاه ( القطب الشمالي ) إلا سهيلية ( القطب الجنوبي ) فميزوا في هذه النكتة فإذا كان أحد يعرف فنحن مسبوقون ، كذلك ورتبنا المنكاب وأدركناه في الذهبية وشرحها » . ومعنى هذا أن ابن ماجد استعان بنجوم نصف الكرة الجنوبي وبالقطب الجنوبي أيضا في قياساته وهي أصلح القياسات للمحيط الهندي . ولا ريب في أنه ابتكر طريقة لتعليق الإبرة المغناطيسية فوق قرص « وردة الرياح » الذي عليه تقسيمات دائرة الأفق وفقا للجهات الأصلية تمتاز عن الطريقة القديمة التي كانت تعتمد على قطعة رقيقة من المعدن المطروق على شكل سمكة تطفو فوق الماء فيشير فمها إلى القطب ( 2 ) هذا وقد تمكن بعض المحققين من تقدير وحدات القياس التي ورد استعمالها في كتابات ابن ماجد فعلى ذلك تنقسم الحقة ( الدائرة أو وردة الرياح ) العربية إلى 32 خنا ( والخن الزاوية التي تحددها المسافة أو القوس بين مطلع نجمين متجاورين أو مغيبهما على الدائرة ) وبكل خن سبعة أصابع ( الإصبع وحدة قياس أو درجة على الدائرة ) . وعلى ذلك يكون تقسيم الدائرة العربية مساويا ل 32 خنا . 7 أصابع 224 إصبع وعلى ذلك أيضا يكون « الإصبع » مساويا ل 137 [ 0 ] درجة باعتبار تقسيمنا للدائرة إلى 360 درجة بدل 224 أي أن الإصبع أكبر من الدرجة المعتادة . إذن يكون الإصبع مساويا ل 97 ميلا بحريا من أميال الملاحة - 1 ترفا ( وحدة تغير الارتفاع ) - 8 زاما ( وهي وحدة طولية للطريق الملاحي )

--> ( 1 ) الباشي هو ارتفاع نجم معين بالنسبة للنجم القطبي عندما يكون الأخير على أقل ارتفاع له فوق الأفق . ( 2 ) انظر مقال المقريزي في الخطط .